واقع سيدي يحي الغرب : مشاهد من طي الذاكرة
بقلم : أحمد كليولة الإدريسي/ كندا
المشهد الأول : ( 1/1 يتبع )

إذا تنفس الصبح وحاولت إلقاء نظرة عابرة على مدينة " سيدي يحي الغرب " المحدودة حجما.. واللامتناهية هما و مأساة، فطنتَ الى حركة خفية تدب فيها تؤذن بأن يوم جديد قد حل.. يرفقه إحساس آخر بالتفاهة ينتابك وأنت تمر في الشوارع و الأزقة .. إحساس بالقهر يرافقك مثل ظلك أينما حللت أو إرتحلت..
تَسُوقُك الخطى الى ساحة القاعة" بدوار الشانطي" فتراها تمتلئ شيئا فشيئا . يفتح " أبا عابد " متجره للمواد الغذائية ، ويحضر " مولاي المكي " مقلته وصحن العجين استعدادا لصنع السفنج . وتوقف خيمتها "خالتي فاطنة " بائعة البيصارة بالزيت والبيض البلدي المسلوق.. ويصفف "خالي العياشي " حُزَم النتناع و القصبر التي رعاها منذ كانت براعم وأينعت فتم قطفها من بستانه المجاورة لملعب كرة القدم " المرجة " .
لن تخطآ عيناك ، رجال هَزْلى أجسامهم .. شاحبة وجوههم .. ذَابلة نَظَراتهم ..تقرأ من خلالها تشنجات وغصات تستوطن في قرارات أنفسهم رغم محاولة بعضهم اخفاءها بإبتسامات مصطنعة .. يَرْتَدون ما رثَّ من ثياب مُوَحَّدَةٌ جل صفاتها بين الباهت والمتسخ ، تَوَحُّدها في البساطة والتقشف ، وفي نحولتهم وضُمُورهم .. الخامسة صباحا تراهم مثنى وثلاث ورباع وجهتهم مستودع الخشب " الديبو" يطلبونه حثيثا .. يكدحون من أجل ربه كدحا والأجر بخس دراهم معدودات ، و قد لا يسلم بعضهم من انتظاروترقب لشُراة العود يتخلله توجيه للسلعة " تستيف القرطة " طوال النهار.. فإذا لم تحصل مبايعة ، يعود الكادح أدراج بيته الصفيحي في المساء بخفي حنين ، يلعن البلد والولد .. يشتم ويسب متمنيا لنفسه الموت العاجل ، و لمشغله وأهله وقبيلته البوار مع طول العمر . . سباب غايته الترويح عن النفس.. بعدما أعياه الفكر في حال أمره ..محتارهو ، في أي خانة قانون الشغل يصنف ، ما دام أنه ليس بعامل ولا فلاح أو حتى معطل أو عاطل عن العمل ، سميها كما شئت . أنت وضميرك .. استغلال وصل من شدة وقعه على العباد الى هاوية الرق و الإستعباد .. !
السادسة صباحا ، شابة لم تجاوز عقدها الثاني بعد ، تركل برميلا من الحجم الكبير بإحدى رجليها النحيلتين متجهة صوب بومبة الحبيلية " السقاية" المكتظة نسوة ، تنتظر دورها لجلب ماء الصالح للشرب .
السابعة صباحا ، بإحدى دور الصفيح تسمع الأم توقظ إبنها بكل جهد والحاح :
- نوض اولدي صونات أو دخلو عليك ليوم اسلخك المعلم
ينهض بشق الأنفس الى المدرسة دونما غسيل لوجهه أو تناوله لوجبة الفطور.. هنا مدرسة النجاح وأطفالها اليوم هم رجال الغذ وأمله.. مدرسة " بئر أنزران" اسم على مسمى التعليم في الجب ، ومناهجه الدراسية غياهب بعضها فوق بعض ..!
العاشرة صباحا ، تكْتَظَّ ساحة القاعة عَنْ آخِرِهِا بِالنَّاسِ ، و أصوات الباعة كلها نداءات يعلوها حزن واستعطاف .
- أجي تذوق عاد أشري
- أشريفة عونني على هذ السلعة غذا تبقا واحله في راسي
- حمص كمون أسخون أليجون
- زيدو ماطيشة بلاش كيلو بدراهم
منتصف النهار، لا زال ما يسمى " الهومار" أو " طالب معاشو" صاحب لقب " سبع صنايع وفي الخدمة ضايع" يترقب اصطياد زبائنه من الشوارع بمحض المصادقة ، لا يعنيه الاحتفاظ بهم لأنه يعيش حياته من يوم الى يوم إن لم يكن من وجبة إلى وجبة مقابل تأديته بعض الرتوشات من تجييرأو تسريح لمجاري واد الحار .. لا يعترف بالسمعة أو يلتفت لآراء الغير ما دام يحس بأنه قضية تعريف .. مهنة بلا عنوان يُتَعامل معها مرة واحدة و واحدة فقط . كم من مرة تمنى المسكين الموت على أن يعود للبيت خالي الوِفاض حتى من حلويات "الفنيد" التي اعتاد أن يقدمها لأبنائه بمجرد سؤالهم :
- أش جبتلينا أبَّنَا اليوم
مستضعفون تجدهم يجوبون الشوارع والأزقة بحثا في القمامة عن حاويات البلاستيك والألمنيوم وعلب الكارطون المقوى لإعادة بيعها من جديد .
صفوف من الفتيات في عمر الزهور وقفن صفا صفا ينتظرن في الموقف قدوم شاحنة ..تنقلهن كالأنعام الى مزارع جني الخضر.. وأشياء أخرى إِن تُبْدَ لكم تَسُؤْكُمْ . ثمار لحم نيئ أُرِيدَ لها أن تسقط من شجرة العفة كي تتعفن والأعذار ظروف وأقدار.. .. فإلى متى ستظل المسكينة مرغمة على الأكل بثدييها حتى لا تموت جوعا ..!!!؟
هنا جيل المسنيين و العجائز " أبا الشاوي " واحد منهم ..رغم لهيب الحر ووطأة الكبر والسعال الذي لا يفارقه وجد نفسه مضطرا أن يجلس خلف عربة يدوية عليها ثلاث أطباق ممتلئة بالزريعة والحمص و الكاوكاو، وعلبة سجائر من نوع " كازا" .لا يبيعك سجارة واحدة قبل أن يقرأك حكمته التحذيرية من اخطار التدخين قائلا : " كازا سبور تخرب الصدور وتبعث للقبور" كأني به يقول لزبائنه لاَ تَثْريبَ عَلَيْكَم أنتم ، بل التثريب على زمنكم .. زمن تعايش الاضداد و المتناقضات و النقائض .. !
وهناك امرآة في منتصف الخمسينيات بجانبها طفل لا يتجاوز عمره السادسة ، مشمرا كُم ثيابه الرثة ، صامتا واجما ليباغت من حين لآخر أسراب الذباب المحلقة ذهابا وإيابا حول وجهه بضرابات قاضية من راحتي يديه .. اتخذت مكانا استراتيجيا في ركن طريق يؤدي الى ساحة القاعة تستجدي المارة مبسوطة يدها مرددا لسانها :
- اللي عطاشي الله في سبيل الله ، يا المحسنين يا لكُراما في هذ النهارالجمعة .. !
وجوه من رجال ونساء وأطفال ، يخونك الإدراك من أين وفدوا ، و كيف سيتبددون . مستضعفون يتمرغون في وحل الفقر والتهميش، لا مستوصف في المدينة يذكر .. لا طريق معبد .. لا ماء صالح للشرب .. لا كهرباء للإنارة .. ولا سكن يحوي أدنى شروط للعيش ولو على فُتَات مائدة الكرامة .. !
ما هذا العبء الثقيل والحرمان الذي يعانيه هؤلاء !؟
تساؤل طاف بخلدي مرارا وسط خضم من تساؤلات يلاطم بعضها بعضا داخل ذهن اعتل فلم يعد يقوى على استوعاب علة العبء ، فتوسل للسؤال أن يعود من حيث أتى أول مرة لعله يرتاح من عبء التساؤل ..!
ظلم جاثم على الأبدان كلها . على الصدور.. على القلوب ..والحناجر.. على الأنفس .. تفسره بنوع من الإستسلام والخنوع - جهلا -على أنه القناعة بعينها والرضا بما سَمَّتُْه - فهما خاطئا للدين - قضاء وقدر من الله !
هل حقا ما يظنون !؟ ألم يعد يميز قاموس واقعهم المؤلم انه تمت فرق و فارق بين الفقر وبين سياسة التفقير !؟.. أم أنهم في حاجة لمزيد من سياط ظلم ضرباتها أقوى من هذه لعل النفوس تصحو يوما لتغضب !؟
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire