رسالة من كندا الى مثقفو بوكو فساد
هذه المفردة أي " مثقف " لها دلالتان متناقضتان، فهي تطلق من باب الإطراء على رجال ونساء اتسعت معارفهم بفضل ما يتمتعون به من اطلاع كافي في التعليم والعلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحذق فيها لمدى تأثيرهم وعلاقتهم بالمجتمع وحجم المسؤولية المنوطة بهم في الدفاع عن قضايا المجتمع وتبيان الحقيقة ، لكن هذه المعاني لا علاقة لها بما يصيب العريس في يوم الدخلة من ارتباك وعجز يحول دون اتباثه أنه فحل ليلته . وطالما سمعنا من أقاربنا في الصبا نعت عريس يوم زفافه بانه مثقف .
لكن هذا العهد الفريد زمانه والذي قلب الوجهات كلها رأسا على عقب بحيث اصبح الشرق غربا والجنوب شمالا وعلت فيه الأرجل على الأدمغة لان الناس مشوا على رؤوسهم .
في هذا العهد اختلطت الدلالتان ولم يعد ممكنا التفريق بين الثقافة والسخافة والغسق والشفق ما دام الخيط الفاصل بين ضوء المعرفة وظلام الشعوذة لا يتضح.
كان المثقفون من الكتاب والمفكرين ونشطاء الجمعيات .. فيما مضى من المحطات الأساسية لأي تغيير.. و مطلبا ضروريا لانهم معلمون، ولديهم من عصارة المعرفة ما يكفي لان يتحول الى زيْتٍ قِنْديل يضيء الطريق ويرشد العامة ، لكن المتغيرات التي عصفت بالضمائر فعكست الاولويات ووضعت " الكروسة أمام العَوْد " كما يقول المثل الشعبي ، جعل عامة الناس برون ان الإستغلال وثقافة تزييف الحقائق هي من انجاز هذه النخبة المثقفة ، لهذا نادوا بالإبتعاد عنها والبحث عن بديل لهؤلاء المثقفين . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ان المنسوب الثقافي وحده لا يصلح مقياسا يحتكم إليه . فأجدادنا الذين قالوا ذات يوم بسخرية ان « الحلاق المبتدئ يتعلم الحجامة في ريوس ليتامى » قد أصابوا عين الحقيقة وبيت القصيد رغم محدودية ثقافتهم .والنخبة المثقفة ليست متجانسة بحيث ينظر اليها كالبيض في سلة واحدة ، فمنهم من قرروا العودة بعد االخطوات الأولى من الطريق ، خصوصا من جربوا الخذلان والفاقة وسمعوا حتى من اقرب الناس اليهم أفرغوا مكتباتكم و " اديوها لمول الزريعة " .. فالمضي في هذا الطريق الوعر حتى النهاية رهان شبه انتحاري قد يفقد فيه المثقف ظله . وكثير من دفع الثمن غاليا ثم انتهى كجندي مجهول الهوية !
ومنهم من يعيشون معنا لكن حين تسمع أقوالهم أوتقرأ اطروحاتهم تظن انهم ولدوا في قرون خلت ويعيشوا بعقلية الماضي . فالذين لا زالوا يتصورون ان النخبة المثقفة هي مقدمة كل تغيير ، عليهم ان يعيدوا النظر ولو أربع سنوات ليروا بأن الثورات العربية فجرها بائع خضرعلى عربة يدوية .
نعرف ان الثتقيف والتوعية وتنوير الرأي العام سنة كونية وتاريخية تتكرر في كل العصور لكن الرأس الذي لا يجيد سوى الحفظ والإلقاء دون عقل يمحص فيدرك هو كالحماريحمل أسفارا ، لهذا لا بد من التوازن واستكمال النقل بحكمة العقل في زمن تحولت فيه الثقافة الى عورة وجب على المثقف الحق سترها بعدما أصبح الشبه مثقف لا يمنعه الحياء - بعدما تجرد منه - اخفاء سطحية ثقافته إذا لم نقل سَنْطِيِحَتُهُ !.
واذا كان بعض العرسان يصابون بالثقاف يوم الدخلة ، فإن الشبه مثقف يصاب بوهم امتلاك المعرفة الذي اذا تراكم أدى بصاحبه الى شيخوخة الفهم .
الكاتب : أحمد كليولة الإدريسي
0 commentaires:
Enregistrer un commentaire